عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

57

معارج التفكر ودقائق التدبر

القضية السادسة : جاءت في قول اللّه عزّ وجلّ لموسى عليه السّلام : فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى ( 16 ) : [ فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها ] : أي : فلا يصرفنّك ولا يمنعنّك عن السّعي للظفر بأعظم الجزاء في جنّات النعيم يوم الدّين بعد قيام الساعة . [ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها ] : أي : من لا يؤمن بقيام ساعة البعث للحساب ، وفصل القضاء ، وتحقيق الجزاء يوم الدّين ، لأنه غير مؤمن بقضيّة الجزاء الرّبّانيّ . [ وَاتَّبَعَ هَواهُ ] : أي : واتّبع وهو كافر بالساعة هواه المتعلّق بزينة الحياة الدنيا ، وزخرفها ، ومتاعها الزائل الفاني . وربّما كان اتّباعه هواه هو الذي طمس بصيرته ، فكفر بساعة القيامة والبعث ليوم الجزاء . الهوى : ميل النفس لما تحبّ ولو كان فيه ضرّ وشرّ ، وإثم وعصيان ، وفي الهوى معنى السقوط في مهواة ، كالسقوط من شاهق إلى واد سحيق ، وكالسقوط في بئر عميقة . [ فَتَرْدى ] : أي : فتسقط في أودية الآثام والجرائم ، وبذلك تنال سخط اللّه وعذابه . وفي خطاب اللّه عزّ وجلّ النبيّ الرّسول المختار المفضّل بمكالمته له ، بمثل هذا الخطاب الشّديد التحذير ، دليل على أنّ الرّسل عليهم السّلام مكلّفون القيام بأحكام الدّين ، وأنّهم غير معفيّين من الواجبات ، بل هم أوّل المأمورين بها ، وأوّل المسلمين ، بل ربّما كانت التكاليف الموجّهة لهم أشدّ ، كوجوب قيام اللّيل بالنسبة إلى الرسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، دون سائر المسلمين .